الخندق للكاتبه مي ياسين تصدر عن ساحة الأدب للطبع والنشر و الترجمة
شرد بعقله في اللاشئ، صراعٌ داخله لا يدري كنهه، والأفكار تعصف به في بؤرةٍ خاويةٍ مثل حاله الآن.
شعر ببرودةٍ قوية تلفحه، انتفض جسده على إثرها، وقبل أن يعود مرةً أخرى نظر حوله بلهفة الغريق الذي ينتظر مَن ينقذه قبل أن يغوص في عالمٍ فارغ، إلى الداخل مرةً أخرى.
تقدم بضع خطواتٍ وجلس على الأرض ضامًا قدميه إلى صدره مثل القرفصاء، محدقًا في الفراغ الذي يحاوطه، يحدث نفسه التي يجهلها يسألها:
- هل أنا داخل كابوس؟ أنا أحلم.. ربما يجب أن أهدأ.. ستعود الأمور إلى نصابها.. لابد من هذا.
رفع إحدى يديه ولطم وجنتيه عدة لطماتٍ يأمرها أن تستيقظ من سُباتها. وحده الفراغ والسكون يحتويه، حدقتا عينيه المعلقة تدور مثل عقارب الساعة لا تهدأ، ليطلق صرخةً مدويةً مثل طلقٍ ناري يدوي في الفراغ، ليرتج جسده بعنفٍ، وكأن كل جزءٍ في جسده أعلن رفضه وعصيانه لما يحدث، تلتها صرخة أخرى، ليصدح صوته الصارخ الباكي يسأل بخوْفٍ:
- أين أنا ااااااا؟
سؤالٌ أطلقه في الفراغ، صداه مخيفٌ، دوى عاليًا، تكتنفه ضربات قلب متلاحقة، كمن يصطاد سمكًا من البحر الميت. تردد وقْع كلماته في الغرفة عدة مراتٍ دون خفوت، تبدل صوته إلى آخر لا يعرفه، صدى مخيفٌ داخل كل تردد صوت آخر.

